القاضي عبد الجبار الهمذاني
162
المغني في أبواب التوحيد والعدل
بعد موسى ، وإنما يدخل في منازله النبوة بعد نبوة موسى ، فيجب أن يكون النبي عليه السلام استثنى ما لولاه لثبت في منازل هارون « 1 » ولا يجوز أن يستثنى ما لولاه لم يثبت من منازله ؛ لأن ذلك لا يفيد . وهذا يبين صحة ما قدمناه . وإذا ثبت أن المراد « إنه لا نبي بعد نبوتي » فيجب أن تكون المنازل التي لأجلها حصل هذا الاستثناء بعد نبوته ، لا بعد موته . وهذا يسقط ما عولوا عليه . فصار التشبيه الأول هو الدال على أن المستثنى والمستثنى منه جميعا حاصلان لهارون ؛ فإذا لم تحصل له كل المنازل إلا في حال حياة موسى وجب صحة ما ذكرناه . ومما يبين صحة ذلك أن من حق الاستثناء أن يطابق المستثنى منه في وقته ؛ لأن الرجل إذا قال لفلان : عليّ عشرة دراهم إلا درهما « 2 » فالمراد ما / أثبته في الحال ، وبما نفاه الحال ، ولا يجوز في الكلام سوى ذلك إلا بقرينة ودلالة . وقد علمنا أنه عليه السلام لما قال لعلي عليه السلام : « أنت منى بمنزلة هارون من موسى » أثبت له المنزلة في الوقت . فيجب فيما استثنى أن يتناول الوقت ، فكيف يقال : إنه أراد بعد موته ، بل كيف يجب حمله على الوقت ، فكأنه قال : « أنت منى في حال نبوتي وبعد نبوتي بمنزلة هارون من موسى في حال نبوته وبعد نبوته إلا أنه لا نبي بعد نبوتي » حتى يكون الاستثناء متناولا للحال التي لولا الاستثناء لثبتت ، فإذا كان لو لم يستثن لوجب في حق الكلام أن يكون شريكه في النبوة في الحال كما ثبت لهارون ، فيجب إذا استثنى أن يقتضي نفى هذا المعنى ، وهذا يمنع من حمله على بعد الموت ، فليس لأحد أن يقول : فيجب أن لا يعرف بقوله : « إلا أنه لا نبي بعدى » أنه خاتم الأنبياء ؛ وذلك أنه إذا كان المراد : لا نبي بعد كونى نبيا ، فقد دل على ذلك بأقوى مما يدل لو أراد بقوله : « إلا أنه لا نبي بعدى » بعد وفاتي ، فكيف لا يدل
--> ( 1 ) انظر هل المقام يتطلب هنا ذكر ( على ) أم ( هارون ) ؟ ( 2 ) كتبها في الأصل ( درهم ) .